الخطيب الشربيني

676

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الثاني : لتحققه عبر عنه بالماضي كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 10 ] وقال أبو مسلم : إنّ الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعبيرا للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدّمت منهم زيارة القبور . وقال مقاتل والكلبي : نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا فكثرهم بنو عبد مناف ، وقالت بنو سهم : إنّ البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات ، لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا ، والمعنى : أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى استوعبتم عددهم ثم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم ، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة . وقال قتادة في اليهود : قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان ، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا ، أو أنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون : هذا قبر فلان ، وهذا قبر فلان عند تفاخرهم ، والمعنى : ألهاكم ذلك وهو مما لا يعينكم ولا يجدي عنكم في دنياكم وآخرتكم عما يعينكم من أمر الدين الذي هو أهمّ وأعنى من كل مهمّ من المقابر ، والمقابر : جمع مقبرة بفتح الباء وضمها ، ويسمى سعيد المقبري لأنه كان يسكن المقابر . قال القرطبي : لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة ، واعترضه ابن عادل : بأنّ الله تعالى قال في سورة أخرى : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [ عبس : 21 ] وهذا ممنوع فإنه قال المقابر ، فلفظ هذه الآية غير لفظ تلك . وزيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة ، وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها قال صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة » « 1 » . وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لعن زوّارات القبور » « 2 » . فتكره لهنّ لقلة صبرهنّ وكثرة جزعهنّ نعم زيارة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سنة لهنّ ويلحق به بقية الأنبياء والعلماء ، وينبغي لمن زار القبور أن يتأدّب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها الطواف عليها فقط فإنّ هذه حالة يشاركه فيها البهائم ، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه ، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن والدعاء ، ويتجنب الجلوس عليها . ويسلم إذا دخل المقابر فيقول : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون » « 3 » . وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا ، وأتاه من قبل وجهه لأنه في زيارته كمخاطبه حيا ، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، ويتأمّل حال من مضى من إخوانه كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ، ومجيء التراب على محاسنهم ووجوههم ، وافترقت في التراب أجزاؤهم ، وترمل من بعدهم نساؤهم ، وشمل ذل اليتم أولادهم

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الجنائز حديث 1571 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الجنائز حديث 1056 . ( 3 ) هو من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه مسلم في الطهارة حديث 39 ، والجنائز حديث 103 ، 104 ، وأبو داود في الجنائز باب 79 ، والنسائي في الطهارة باب 109 ، والجنائز باب 103 ، وابن ماجة في الجنائز باب 36 ، والزهد باب 36 ، وأحمد في المسند 2 / 300 ، 375 ، 408 ، 5 / 353 ، 360 ، 6 / 71 ، 76 ، 111 ، 180 ، 221 .